نظرة اخرى للتقنية بالعالم العربي

نظرة اخرى  للتقنية بالعالم العربي

جميل الخطيب

هندسة عربية

 

بعد انتقالي للعيش في احدى الدول المتقدمة، قررت الاشتراك في الإنترنت أخيرا، بعد بحث وتنقيب ومقارنة للاسعار دامت عدة أشهر، وها أنا ذا أجرب سرعة الاتصال والتي تبلغ 6000kbps المبنية على تقنية DSL، إنها فعلا سريعة لم أشهد مثلها في عالمنا العربي. فبدأت أتساءل لماذا لايتوفر لبلداننا مثل هذه التقنيات العالية، التي تكون بالدول المتطورة متوفرة للجميع، فلديهم اتصالات فائقة السرعة، واجهزه جوالة تنقل الصوت والصورة ،وغيرهاوغيرها في مجالات عدة للحياة.  ولكن ما أن بدأت أفكر في الأسباب حتى خطرت على بالي تساؤلات عدة: هل لابد من ان نمتلك تقنيات مثل الدول المتقدمة؟ هل كل ماهو حديث مناسب لنا؟ هل اختراعاتهم هي مانحتاج؟ ولماذا لا تناسبنا هذه التقنيات؟ ام أننا بحاجة لتقنيات تناسب بلادنا وظروفنا؟ وماهي هذه التقنيات؟

 

في الواقع قبل محاولة الاجابة على كل هذة الاسئلة ،يجب أن نفكر في حاجات بلداننا من حيث النواحي التقنية، التي قد تكون حاجات مشتركة لمعظم البلدان النامية. فقد قامت العديد من المؤسسات العالمية بالكثير من الدراسات من اجل الإجابة عن هذة التساؤلات و لتحليل المشاريع المقامة في مجالات التقنية المعلوماتية والاتصالات بهذه الدول.

فكانت النتيجة، أن الخصائص مختلفة بين الدول النامية و الدول المتقدمة ،خاصة في مجال التقنية ،فكل منها لدية احتياجاتة الخاصة،حتى وان كانت التقنيات هي نفسها  المستخدمة ، فان الهدف من استخدامها قد يكون مختلف تبعا للحاجات المختلفة.

 

إن أهم اهداف التقنية يجب أن تكون تقليل البطالة وإنقاص الفقر وتطويرونمو البلدان في العالم اجمع خاصة في الدول النامية .حتى أن مؤسسات مثل  Infodev التابعة للبنك الدولي وهيئة الامم المتحدة اصدروا تقارير موسعة عن هذا الموضوع.

فهل نحن في بلداننا نسعى بالتقنية لنصل لهذه الاهداف؟ أم انها فقط لسد بعض الحاجات والترفيه؟

 

على سبيل المثال عندما حاولت كينيا قبل سنوات أن تستخدم تقنية لقطف الزهور عن طريق الألات؛ تم الاعتراض عليها لانها ستزيد البطالة وتحرم المزارعين من مصدر رزقهم. المشكلة لاتكمن بمجرد استخدام التقنية الحديثة ولكن أين ستستخدم وكيف ستفيد البلد. ربما يكون من الافضل تعليم المزارعين استخدام تقنيات حديثة للعناية بالزهور وتصديرها.

من الامثلة الجيدة عن استخدام التقنية للمساعدة على تقليل الفقر؛ ما حدث في الهند عند إيصال خدمة الهواتف الجوالة للقرى النائية مما مكن المزاعين من عرض منتجاتهم على أكثر من تاجر وعدم انتظار تاجر القرية والقبول باسعاره الزهيده.

 

بعد هذه المقدمة سنحاول تلخيص بعض المعوقات التي تواجه البلدان العربية في تبني التقنيات الحديثة  بالاعتماد على خصائص بلداننا.

إن نظم الاتصالات والمعلومات تعتمد على 4 عوامل أساسية وهي: مصادر الطاقة ، البنية التحتية للاتصال، التكلفة للمستخدم، وأخيرا سهولة الاستعمال من قبل المستخدم.

 

الطاقة:

إن الأجهزة الإلكترونية تعتمد على الكهرباء كمصدر للطاقة، فعلى الرغم من أن العالم العربي يعتبر المصدر الرئيسي للطاقة النفطية ؛فبالكاد أن نجد دولة عربية تخلو من مشاكل في توزيع الطاقة الكهربائية، ليس على مستوى استقرارها فقط  بل كذلك بتغطية المناطق النائية التي من المعلوم أن نسبة كبيرة من سكان الدول العربية مستقرة بها. فإذا لدى العالم العربي مشكلة بإيصال التقنيات الحديثة لنسبة كبيرة من السكان بسبب عدم توفر الطاقة اللازمة.

فمن الداعي أن يتم العمل على إبتكار تقنيات خاصة لبلادنا، لتوفير الطاقة للمناطق النائية قبل العمل على إدخال تقنيات لا يمكن استغلالها.

 

التكلفة:

إن الأجهزة التقنية واستخدامها مكلف جدا، لذلك فإن كل ما هو جديد يأتي لبلداننا متأخرا، ريثما يصبح المستثمرون قادرين على التكلفة. إن هذه ليست بالمعوقة الكبيرة مقارنة عندما يتمركز انتشار استعمال التقنية  لدى الأفراد القادرين على دفع تكلفة الأجهزة واستخدامها فقط. فمستوى الدخل للفرد العربي متدني بالنسبة للدول الغنية ،وحتى أن نسبة الفقر عالية جدا، مما يجعل من الصعب اقتناء الأجهزة حتى وان كان سعر الحاسوب لا يتجاوز ال100$ و الهاتف الجوال30$. فالمشكلة ليست فقط هنا ؛ فبعض التقنيات تحتاج بالإضافة الى الجهاز؛ لمزود للخدمة كالإتصالات وخدمة الإنترنت والتي قد لاتكون بمقدور العديد من الأفراد.

إن توفير مثل هذه الأجهزة والخدمات بأسعار مناسبة؛ يعتمد على تصميم وتصنيع الأجهزة محليا بناء على الموارد المحلية. والحديث عن هذا الموضوع طويل لايسعنا التوسع به هنا.

لقد حاولت بعض البلدان اعتماد مشاريع لتطوير حواسيب ذات تكلفة قليلة مثل مشروع Simputer الهندي، ولكن هذه المشاريع لم تحقق المراد منها  فالسعر ليس المشكلة الوحيدة هنا؛ فالتقنية العالية سريعة التطور و تبيدل الأجهزة وتحديثها مكلف.

 

بنية الاتصالات التحتية:

يمكن أن نتحدث طويلا عن مشاكل البنية التحتية للاتصالات في بلداننا، فبعضها قديم ولكن القدم ليس  بالمشكلة مقارنة بمشكلة تغطية المناطق السكانية. فإلى حد ما لايزال هنالك هاتف القرية الذي يستخدمة كل سكان المنطقة، فهذه المشكلة تتشابه مع مشاكل ايصال مصادر الطاقة؛ لأن أغلب نظم الاتصالات مبنية على الأنظمة السلكية والتي يعتبر إيصالها للمنازل والقرى الصغيرة مكلف.

إن هذه المشكلة ليست خاصة ببلداننا ولكن عامة لكل الدول النامية، وقد يكون ذلك هو السبب في أن هنالك العديد من الدول التي تزيد نسبة الهواتف النقالة (اللاسلكية) فيها أكثر من الهواتف الثابتة ،كما يبرز من إحصائيات الإتحاد الدولي للاتصالات. لذلك قام عدد من المؤسسات كالبنك الدولي من خلال(InfoDev) لاجراء دراسات عن أهمية الاتصالات اللاسلكية للبلدان النامية؛ وكان من أهم الإستنتاجات؛ أن وصل المناطق النائية والبعيدة عن طريق شبكات لاسلكية قد يكون حلا مناسبا، فمثل هذه التقنيات تطورت بشكل كبير في السنوات الاخيرة وأصبحت تنقل ليس فقط الصوت بل والصورة والمعلومات بشكل سريع.

 

الاستخدام والتعامل مع الأجهزة:

قد تعتبر طرق التواصل مع الأجهزة التقنية هي من أهم العوائق التي تحول دون استخدام التقنيات الحديثة.

فعلى الرغم من أن العرب لديهم المقدرة على الإبداع والتعلم السريع ، ولكن هناك نسبة عالية من الأمية في بلداننا وخاصة في الأرياف، فعلى سبيل المثال 60% من سكان الأرياف المغربية أميون.

مشكلة التعليم ليست هي المعوق الوحيد، فقد يكون الشخص على قدر من التعليم ولكن بما أن الأجهزه  والبرمجيات تصمم وتصنع بدول غيرعربية، قد لا تكون تعليماتها بلغة عربية وحتى أن الدعم والمساعدة ليس بالعربية.

بالإضافة لكل ذلك فإن العديد لا يعرفون مبادئ التعامل مع التقنيات، فكيف لشخص لا يعرف ما هو الحاسوب وكيف يتعامل مع لوحة المفاتيح سيستطيع أن يتعامل مع برامج وأجهزة أعقد.

 

كل هذه المشاكل تساهم في زيادة ما يعرف بالتفرقة الرقمية أو Digital divide،وهي تعبر عن الهوة في استخدام التقنية بين الدول المتحضرة والنامية، أو حتى بين المدن والقرى في البلدان النامية. على الرغم من أن هذه المشكلة تخص الدول النامية، إلا أن هنالك القليل من الخطوات العربية الجادة للتقليل منها؛ والتي تكون في الغالب بناء على طلب من المؤسسات العالمية ؛التي قد تكون تسعى لإدخال التقنيات لأسباب تجارية كفتح اسواق لمنتجات بلدانها بناء على التقنيات المناسبة لها.

 

نعم قد نقول أنة من المهم أن ندخل تقنيات  لتساعد ولو البعض، ولكن يجب أن يتم استخدامها وتطويرها لتصل وتساعد من لا يستطيع الوصول إليها، والاهم أن تساهم في تحسين الأوضاع المعيشية للناس وتخلق فرص عمل.

 

نحن وهم:

سأحاول بهذه الفقرة أن أشرح بعض الأمثلة التي قد تبين بعض الفروق في استعمال التقنية بالدول المتقدمة وبلداننا.

 

الاتصالات اللاسلكية:

إن أهم فائدة للاتصالات اللاسلكية بالدول المتقدمة هي توفير سهولة التنقل والحصول على الخدمات بكل الأماكن لمتابعة العمل بأي موقع. وهذا ما قد نراه في تقنيات الهواتف النقالة وWiMAX. أما بالنسبة للتقنيات مثل Bluetooth أو WLAN فإنها تستخدم لتسهيل ربط العديد من الأجهزة المستخدمة في المنزل ببعض ولتمكين الشخص من الحركة بالمنزل خلال الاستخدام أو أنها تستخدم بالمؤسسات والمكاتب لإنشاء شبكه داخلية بدون الحاجة للتوصيلات المعقدة والمكلفة.

بالنسبة للبلدان النامية فان الهدف منها هو توفير خدمة الاتصال للمناطق البعيدة بدون الحاجة لتأسيس شبكات سلكية مكلفة. أما التقنيات المنزلية مثل WLAN فإنها قد تستخدم لربط عدد من المساكن مع بعض لتوفير خدمة الإنترنت لأهل الحي أو المنطقة (بالدول المتقدمة تستخدم لربط أجهزة شخص واحد أما بالدول النامية فهي لربط أجهزة لعدد من الأشخاص)

 

الإنترنت:

أن مجال الحديث عن الإنترنت طويل، لذلك سنحصرها في مستوى الجامعات؛ فمن المعلوم أن الجامعات كانت من الأسباب الأساسية لانتشار الإنترنت بالعالم ،لأن هدف الجامعات الأساسي هو تسهيل عملية الاتصال بين الباحثيين وتسريع نقل المعلومات ونتائج التجارب والأبحاث. فالتعاون بين الباحثيين والطلاب لإنجاز مشاريع كبيرة كانت إحدى الحوافز لدعم الإنترنت وتطويرها.

بالنسبة لجامعاتنا فان الطلاب بالكاد يستخدمونها للحصول على معلومات تساعدهم بالدراسة، ويغيب عن فكرهم وحتى عن فكر الأساتذة التعاون العلمي بالأبحاث والمشاريع بين الجامعات العربية أو حتى بنفس الدولة. فمن الممكن أن تستخدم الإنترنت في عالمنا في النواحي العلمية؛ من اجل التواصل مع العلماء والمهندسين العرب الموجودين بالدول المتقدمة لنقل خبراتهم وانجاز مشاريع وأبحاث بالتعاون معهم.

 

 

الحكومة الالكترونية:

العديد من الدول المتقدمة والعربية بدأت القيام بمشاريع للحكومة الإلكترونية، وهي فكرة ممتازة لإجبار الناس على استخدام الإنترنت،ولكن يجب تجاوز العديد من المعوقات السابقة الذكر وتحسين البنية ليتمكن الناس من استخدامها. ربما  تقوم الحكومات بوضع أجهزة للجمهور بالمراكز العامة لتوفر مثل هذه الخدمات، مع مرشدين لتقلل الضغط على الموظفين في الدوائر الرسمية وتشجعهم حتى على تعلم التقنيات الحديثة. ويكمن أن يتم التشجيع عليها بأن تكون المعاملات الإلكترونية بالمجان وبالطرق التقليدية مقابل مبلغ مالي.

 

 

الخاتمه:

بالنهاية فإن على العالم العربي أن يعي أن التقنيات المنتجة بالدول المتطورة ليست بالضرورة هي التي ستفي بحاجات بلداننا وحتى أن استعمالها قد يكون ليغطي حاجات أخرى عن البلدان المتطورة.

لذلك يجب علينا التدقيق بحاجاتنا والمعوقات التي تواجهنا وأن نقوم بـ:

1. تطوير التقنيات اللازمة لنا

2. استخدام التقنيات المستوردة بالطرق المناسبة لحاجاتنا

3. إيجاد وخلق الحاجة للتقنية في المجتمع

4. استغلال التقنية لخلق فرص عمل وتقليل الفقر

 

المراجع:

 

-The  case for technology in Developing regions. E. Brewer et al., IEEE computer magazine, June 2005

 

– Information And Communication Technologies, Poverty And Development – Learning From Experience. McNamara, Kerry, InfoDev, http://www.infodev.org/content/library/detail/833

 

– The Wireless Internet Opportunity For Developing Countries, infoDev, http://www.infodev.org/content/library/detail/838

Print Friendly